انتقد مركز الأبحاث "ميدل إيست فوروم"، نهج الولايات المتحدة تجاه مصر، قائلة إنه على مدار سنوات نظرت إلى القرن الأفريقي من منظور شرق أوسطي، واضعةً مصر في قلب هذا الإطار، لكنها رأت أن هذا المنظور يشوه الاستراتيجية الأمريكية في القرن الأفريقي.
ومع تشديده على الأهمية التاريخية لمصر، نظرًا لسيطرتها على قناة السويس، ومعاهدة السلام مع إسرائيل، ونفوذها في السياسة العربية، وشراكتها الأمنية طويلة الأمد مع واشنطن، مما جعل من القاهرة شريكًا للولايات المتحدة، إلا أنه قال إن البيئة الجيوسياسية المحيطة بالبحر الأحمر والقرن الأفريقي شهدت تحولاً عميقًا.
وأضاف المركز: "لم تعد المنطقة محصورةً بالعلاقة التاريخية لمصر مع النيل أو قناة السويس، بل أصبحت ساحةً مركزيةً للتنافس الجيوسياسي، حيث تتقاطع الشبكات الإيرانية، والطموحات التركية، والمصالح الإسرائيلية، والتنافس في الخليج العربي، وتنافس القوى العظمى، في حين أصبح الأمن البحري والتجارة والاستقرار مرتبطين ارتباطًا وثيقًا بالتطورات على الجانب الأفريقي من البحر الأحمر".
"نقطة ضعف استراتيجية"
في هذا السياق، اعتبر التقرير أن ميل واشنطن إلى تفسير الوضع في إثيوبيا يُعدّ من منظور المخاوف الأمنية المصرية في المقام الأول نقطة ضعف استراتيجية، لأن المسألة ليست في تحديد أيّهما أهم، مصر أم إثيوبيا؛ فكلتاهما شريكان مهمان لهما مصالح مشروعة. السؤال الحقيقي هو: هل واكبت الدبلوماسية الأمريكية تغيرات موازين القوى الإقليمية؟
وأوضح أن إثيوبيا تستمد ثقلها الاستراتيجي من حقيقة لا يمكن لأي قوة خارجية تجاهلها: فهي أكبر مركز سكاني في القرن الأفريقي، وتمتلك أقوى وأكبر جيش في أفريقيا جنوب الصحراء. ولا تقتصر أهميتها على كونها الدولة الأكثر ارتباطًا بالتحديات الأمنية في المنطقة، بل هي أيضًا إحدى أهم دول أفريقيا، فهي شريك تاريخي للولايات المتحدة في القرن الأفريقي، واقتصادها يشهد تحررًا سريعًا، ويسعى إلى إصلاحات اقتصادية كلية، ويفتح قطاعات استراتيجية أمام الاستثمار الأجنبي، ويطور مشاريع بنية تحتية وربط واسعة النطاق تتيح فرصًا للانخراط الأمريكي، وهي العاصمة الدبلوماسية للقارة الأفريقية، ومساهم رئيسي في عمليات حفظ السلام.
مع ذلك، أكد التقرير أن الإطار الإقليمي الذي تُهيمن فيه تصورات القاهرة للتهديدات بشكل غير متناسب يُلقي بظلاله على الأهمية الاستراتيجية لإثيوبيا، وقد تجلى هذا الأمر بوضوح في النزاع الدائر حول سد النهضة الإثيوبي.
"مخاوف مصر الأمنية"
واعتبر أن النهج السياسي الأمريكي يعكس حتى الآن مخاوف مصر الأمنية على حساب إثيوبيا، مما يُنذر بتحويل الوساطة من حل النزاعات إلى الحفاظ على التسلسل الهرمي الإقليمي القائم. ويواجه هذا التحدي نفسه في البحر الأحمر، حيث تُقلل مصر في كثير من الأحيان من أهمية إثيوبيا لأمن البحر الأحمر بسبب افتقارها الحالي إلى ساحل بحري.
وقال التقرير إنه ينبغي على صناع السياسة الأمريكيين أن يفهموا مصلحة إثيوبيا في طرق الوصول وأمن البحر الأحمر في إطار أوسع يشمل تزايد التهديدات الأمنية البحرية، والتنافس على الموانئ، والممرات التجارية، والبنية التحتية الاستراتيجية التي تربط البحر الأحمر بالداخل الأفريقي.
وبحسب تقييمه، فقد أظهر إغلاق إيران لمضيق هرمز والتهديدات المستمرة من الحوثيين المدعومين من إيران مدى هشاشة الطرق البحرية التي تربط أفريقيا والشرق الأوسط والأسواق العالمية.
ووسّعت القوى الصاعدة والعظمى من مختلف أنحاء العالم وجودها على البحر الأحمر من خلال تنمية مصالحها العسكرية والتجارية والسياسية في المنطقة. فيما يؤكد التقرير أنه، لا ينبغي لواشنطن أن تعامل إثيوبيا كطرف هامشي لمجرد أنها دولة حبيسة.
مصر شريك حيوي للولايات المتحدة
وبينما تظل مصر شريكًا حيويًا للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، فإن أولوياتها الاستراتيجية تتشكل في المقام الأول بفعل مخاوف مرتبطة بنهر النيل وشرق المتوسط وديناميات المنطقة العربية، كما يشير التقرير.
في المقابل، وصف إثيوبيا بأنها تُعد الدولة الأكثر انخراطًا في الواقع الأمني للقرن الأفريقي والبحر الأحمر، نظرًا لموقعها الفريد وارتباطها الوثيق به. فحدودها والتزاماتها الأمنية وثقلها الديموغرافي ونفوذها السياسي تجعلها في قلب الأزمات التي تشمل الصومال والسودان وجنوب السودان والمنطقة ككل. واعتبر التقرير أن العبء الأمني الذي تتحمله إثيوبيا هو عبء لم يكن سوى عدد قليل من الفاعلين الإقليميين الآخرين مستعدين أو قادرين على تحمله.
ومع تداخل الحدود بين مسرحي الأمن في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي - في ظلّ عبور الشبكات الإيرانية، والتنافس الخليجي العربي، والإرهاب، والصراعات الخارجية على قوى خارجية البحر الأحمر- يشدد التقرير على أنه لم يعد بإمكان واشنطن إدارة أمن القرن الأفريقي من خلال إطار الشرق الأوسط فقط.
وخلص إلى أن مستقبل السياسة الأمريكية في القرن الأفريقي يتطلب استراتيجية إقليمية براجماتية. فقد أصبحت إثيوبيا أكبر من أن تُعامل كقضية ثانوية ضمن إطار مصري أوسع، وأكثر أهمية من أن تُعامل كقضية استراتيجية، وأكثر ارتباطًا بنتائج الأمن الإقليمي. وبالنسبة لواشنطن، يُعدّ دمج إثيوبيا في صلب اهتماماتها تعديلًا ضروريًا للواقع الجيوسياسي المعاصر.
https://www.meforum.org/mef-observer/washingtons-egypt-centric-approach-distorts-u-s-strategy-in-the-horn-of-africa

